هنا كانت «تكية الأميرة فوزية»
هنا كانت «تكية الأميرة فوزية»

اشترك لتصلك أهم الأخبار

على بُعد خطوات من مسجد ومقام السيدة زينب، «نصيرة الفقراء» وأصحاب المظالم، حاولت إحدى أميرات الأسرة العلوية، الأميرة فوزية ابنة الملك فؤاد، أن تستمد بعضًا من كراماتها المعطاءة، على مدار سنوات معدودة، بإطعام الفقراء وإجزال العطاء لهم، فيما عُرف بـ«مطعم الأميرة فوزية الخيرى»، والذى أغلق قبل زوال حُكم الأسرة الملكية من مصر بقيام ثورة يوليو بسنوات قليلة.

فى شارع الناصرية بالتحديد، كان مقر مطعم الأميرة الخيرى، على نحو يشبه نظام «التكية» أو «الخانقاه» فى العصور السابقة، وهى أحد الأشكال المعمارية التى أنشئت كمأوى للمساكين ونجدة الملهوفين ومن على سفر، فيما خُصص مقر «الأميرة فوزية» لتقديم الطعام على وجه التحديد.

وفى رحلة البحث عن مطعم الأميرة فوزية، دلفنا إلى شارع الناصرية على مهل. كان النهار رمضانيًا بامتياز، فأغلب المحال، بعد رفع أذان الظهر من مسجد «كعب الأحبار» كانت لا تزال مغلقة، فيما شرع بعض كبار السن فى التردُد على المسجِد على فترات مُتباعدة لأداء سُنن الظهر قُبيل صلاة الجماعة. خطوات عديدة فى الشارع الهادئ أوصلتنا أخيرًا إلى علم الناصرية الأشهر «مطعم بحة» الشعبى، والذى كان مُقفلاُ بدوره، فقررنا العودة من حيث أتينا والسؤال بوضوح عن «مطعم الأميرة فوزية».

«قصدك الشؤون الاجتماعية»، هكذا جاءنا الردّ من أحد المارة المُستعدين بوضوء تتساقط قطراته، لأداء صلاة الظهر فلم نفهم، وأشار لنا إلى موضع بعينه كنا نقف فيه قبل دقائق مؤكدًا أن مقصدنا هناك، ثم ذيّل وصفه قائلاً: «عاوزين تاكلوا ولا إيه، هناك كانوا بيقدموا لحمة ورُز وخضار يوميًا» فزاد ارتباكنا حتى وصلنا.

هُناك، كان المبنى الذى توقعناه فارهًا لا يعدو سوى طابقين من طوب أحمر مع قوائم بيضاء مُغبّرة، ولا يحمل أى زخارف معمارية تشى بانتمائه «الملوكى»، فيما استقبلتنا لافتة «وحدة عابدين الاجتماعية»، ففهمنا مقصد الرجُل، بعدما تجلّت لنا اللافتة القديمة التى أتى عليها الزمان بحروفها الفخمة المخفية بفعل الرطوبة والأكسدة «مطعم الأميرة فوزية الخيرى 1935».

وشت اللافتة بتاريخ افتتاح المطعم، لكنها لم تشِ- بالطبع- بتاريخ تحوُله إلى وحدة تابعة لوزارة التضامُن الاجتماعى. فى الطابق الأول أطللنا على الباب المفتوح على مصراعيه والذى تشير لافتة أخرى لتبعيته لإحدى جمعيات خدمة المكفوفين، فوجدنا مجموعات من المراهقين والكبار يمارسون بعض الأنشطة، بينما يعمل تلفاز بصوت مُرتفع نسبيًا، وترهف له السمع بعض الوجوه، عندما قررنا الصعود لاستكشاف الطابق التالى.

من نشاط المكفوفين، إلى ما يشبه «الصفوف الدراسية» انتقلنا. كانت العديد من اللوحات المُلونة معلقة بعناية على جدران الطابق الصلعاء، غير الناصعة تُخبر الجمهور بالأوراق المطلوبة والمعايير الحكومية لتلقى خدمات المكتب التابع لوزارة التضامن، ورغم الكثافة المحدودة فى المكاتب التى تخدم مواطنى السيدة زينب وعابدين، كان غالبية الموظفين منهمكين فى العمل وفحص الأوراق وإدخالها على «تابلت» تابع للوزارة، لا ينتمى بالتأكيد لعصر الأميرة فوزية.

كانت أول مرة حضر فيها «على محمد» إلى مكتب شؤون عابدين، مطعم الأميرة فوزية سابقًا، فى عام 1995، حيث كان دارسًا فى كلية الآداب بجامعة القاهرة، وجاء للمكتب مُتدربًا، ثم عُين فيه لاحقًا عام 1997، ليقضى فيه جُل مشواره المهنى حتى اليوم. منذ ذلك الحين، ظلت الخدمات التى يُقدمها المكتب شبه موحدة مع اختلاف المُسميّات من عصر لعصر، ما أكسبه حالة من الاعتياد والآلية، علاوة على ذلك تبددت فكرة أنه يؤدى عمله يوميًا من مطعم تاريخى ينتمى لعصر الملكية «هنا فى المكتب الخدمات المقدمة متنوعة ما بين تقديم إعانات شهرية للأسر الفقيرة، أو تقديم معاش تكافل وكرامة «التضامن» سابقًا، أو إجراء أبحاث اجتماعية على الحالات المحتاجة للبحث».

رغم طول فترة عمله فى المكتب، لم يعبأ علىّ كثيرًا بتخيُل الآلية التى كان العمل يتم بها فى المطعم الخيرى. إلى جوار مكتبه يقبع مصعد أثرى مغلق، يُرجح الموظف المخضرم أن الطعام كان ينقل فيه من الطابق العلوى إلى الطابق السُفلى حيث يقدم للمحتاجين، «لم نفكر يومًا فى استغلال المصعد فى عملنا، ومن ساعتها وهو مغلق» يقول على، فيما يؤكِد أن أغلب المترددين على المكتب على الأرجح لا يعرفون أنه كان مطعمًا خيريًا فى السابق.

فى المكتب المقابل، كان «محمد عيسى» قد أنهى لتوه عمله، ليصحبنا فى جولة سياحية مصغرة داخل المقر قائلاً «محدش هتلاقيه عارف معلومة عن المكان إلا الغاوى، أنا غاوى ولذا قريت وتعمقت فى الموضوع، أحيانًا بلاحظ حد من المواطنين من الشباك هنا تستوقفه اليافطة أوى، فيقف ويبحلق أوى ويطلع كاميرا ويصوّر، لكن الأغلب ما بياخدش باله»، بحسب قراءات عيسى، أغلق المطعم الخيرى أبوابه عام 1949 لأسباب مجهولة، وآل للحكومات المصرية المتعاقبة بعد حركة الضباط الأحرار وتحول مصر من النظام الملكى إلى النظام الجمهورى، والتى استغلته لخدمة المواطنين شأنه شأن القصور والمضايف التى تحولت لمدارس ومصالح حكومية فى عصر الجمهورية.

ويتابع: «مش أول مرة أشتغل فى مكان كان أصلا مطعما خيريا، فى شارع الجيش فى مطعم خيرى آخر باسم الملك فاروق»، يستعيد عيسى ذكرياته مع مطعم الأمير فاروق الذى دُشن ثلاثة أعوام قبل مطعم أخته الأميرة فوزية، فيما يؤكد أن البنايتين متشابهتان لحد كبير «هناك كان فى مصعد برضو، لكن التصميم هنا متطور أكتر ومريح للناس اللى كانوا قائمين على إعداد الطعام»، بينما ينفى أنه قرأ شيئًا عن نوعية الطعام المُقدّم فى مطعم الأميرة فوزية الذى توالت عليه العصور، فتوقفت رائحة الطعام الملوكى عن الفوح من جدرانه، لكنه على ذلك يمتلك توقعات «لو إنت ملك، واتقدملك فرخة، هتاكل ربعها، وتتبرع بالباقى للخدم والمساكين، لكن لو مسكين هتقول حطوا الباقى فى التلاجة، كذلك المطعم ده أكيد كان بيتقدم فيه لحوم وزفر من فضلة خير العائلة الملكية».

فى صالون الحاج حسن مصطفى للحلاقة بشارع الناصرية، كانت حكايات أكثر وفرة عن مطعم الأميرة فوزية تنتظرنا. عندما جاء الحاج حسن إلى الدنيا، كان فصل المطعم من تاريخ البناية قد زال، بقيام ثورة يوليو، لكن والده كان جاهزًا بالحكايات عن ماضى المبنى التى وهبها له جميعًا. «الشؤون الاجتماعية استغلت المطعم من 40 سنة، قبلها الناس الغلابة كانت بتيجى عشان تاكل هنا أكل نضيف» يحكى الحاج حسن بينما يحلق ذقن زبون بشفرة حادة، ودقة لم تؤثر عليها سنوات عُمره التى تزيد على الستين.

مزيد من التفاصيل من حكايات والده أنعشها سؤالنا بذاكرته فاستطرد: «أبويا الله يرحمه كان بيقولى إن المطعم كان مساهمة، 75% منه باسم الأميرة فوزية، والباقى أسهم تبرُعات من الناس، أى حد عاوز يدفع يدفع»، أما عن احتمالية أن تكون الأميرة فوزية قد تفقدت مطعمها فى يوم من الأيام ولو زيارة خاطفة شهد عليها والده، فاستبعد الحاج حسن الأمر قائلاً: «الأميرات كانت بتتحرك بحساب، غير كده سنة 1935، كانت الأميرة بنت 14 سنة، ووالدها اللى أصدر أمر ببناء المطعم وتقديم الطعام فيه».

فى الجهة المقابلة لدُكان الحلاق، كانت جزارة المعلم محمد إبراهيم، تروى فصلاً أخيرًا من الحكاية المتواترة لمطعم الأميرة. حكى للمعلم محمد إبراهيم، جده الذى ورث عنه مهنة الجزارة، عن أيام عمل المطعم وبدوره رواها لنا «اللحوم كانت أساسية فى الوجبات المقدمة وبوفرة، وكان المكان سبيلا للفقراء ما بيدفعوش مليم»، وبحسب المعلم، لم تتوقف وقتها خدمات المطعم على الإطعام فحسب «أيام الأعياد كان المطعم بيوزع مساعدات وملابس على المُترددين على سبيل كسوة العيد»، منذ فتح المعلم عينيه على الدنيا وحتى اليوم وقد بلغ 54 عامًا، والمقر يؤدى رسالة شبيهة بدور المطعم الملكى الخيرى ولكنها تختلف فى شكلها «من ساعة ما اتولدت والمكان ده بيقولوا بيعمل أبحاث اجتماعية ودراسة حالات لتقديم مساعدات لها، لكن الأكيد إن الدنيا اختلفت».

شكرا لمتابعتكم " هنا كانت «تكية الأميرة فوزية» " على موقع " ريحان نيوز "، ونتمني متابعتنا على قنواتنا الرسمية خلال وسائل التواصل الاجتماعي لمتابعة الاحداث واخر المستجدات ، مع اطيب التحيات .

المصدر : المصرى اليوم