الوطن قبل كل شيء
الوطن قبل كل شيء

مع استمرار الأحداث التي تعصف بالمنطقة عموماً، وبالعراق خصوصاً، يُطرح تساؤل مفاده: من يتقدّم في خيارات المواجهة: الفرد، الطائفة أم الوطن؟
لعل الجواب يأتي بلا تردّد: الوطن قبل سواه من الخيارات؛ لأنّ الفرد كغيره من المخلوقات في طريقه إلى الزوال، على الرغم من دوره البارز في بنية المجتمع، أما الطائفة، فمع تعدّد أشكالها وألوانها في المجتمع الواحد فهي نتاج عدد من الأفراد، تجمعهم تقاليد وأعراف موروثة.
إذن، الفرد والطائفة يشكلان مجموعة مكونات في بناء المجتمع، وبقاؤهما مسألة نسبية تُحدد بقدر عطائهما للوطن أو حمايته من الأخطار لا بقدر ما يأخذان منه، غير أن الأوطان تبقى هي الأهم كما هو معروف.
بعد أحداث لبنان العاصفة في القرن الماضي، وما نتج عنها من تداعياتٍ، نظراً إلى تنوعه الطائفي، تم تكريس الطائفية السياسية في نظامه السياسي، والذي ما زال شعبه يدفع ثمنها باهظاً لذلك، سواء على صعيد اقتصاده الهشّ، أم على صعيد التدخلات الخارجية التي تهدد سلمه الأهلي.
يواجه العراق هو الآخر، منذ احتلاله، مرحلة بالغة الخطورة، سواء عن طريق اقتتاله الطائفي أم عن طريق التدخلات الخارجية التي تريد من خلال صراعها مع الغير، البحث عن دور في المتغيرات الجديدة. وجاء هذا كله بسبب الاحتلال، وما كرسه وفق الخطة التي أعدّت مسبقاً ليكون العراق على ما هو عليه الآن.
بطبيعة الحال، فإنّ تداعيات احتلال العراق، وما يجري على أرضه ألقى بظلاله على المنطقة وتخطّى حدود "اللعبة" ليضرب عدداً من الدول المحيطة، والشواهد كثيرة، منها ما يجري في سورية واليمن وليبيا، أضف الى ذلك ما يجري في لبنان من احتقان طائفي ومذهبي نتج عنه تعطيل تشكيل حكومته، حتى البحرين لم تكن بمنأى عن التوتر المذهبي، حيث باتت ساحات هذه الدول بمعول الطائفية ملعباً لإيران التي لطالما حلمت بذلك، وما كان ليتحقق لها هذا الحلم الأزلي لو بقي العراق عراقاً.
لكنَّ العملية السياسية الحالية جعلت منه تابعاً لإيران بكل ما يمتلكه من إرث حضاري، ووزن سياسي في المنطقة، وبمباركة من العم سام طبعاً، والمفارقة أنّ بعض قادة المنطقة تنبّهوا إلى خطورة تداعيات ما يجري على أرض العراق، بعد أن باركوا احتلاله، وما تلاه من زلزال شعروا بخطورته خوفاً على عروشهم، لكنهم مازالوا عاجزين عن طرح مشروع يواجهون به الغول الإيراني وتمددّه في دول محيطهم .
في قراءتي كتاب أمين الريحاني "ملوك العرب"، استوقفني قول الملك، عبد العزيز بن سعود، للأديب، ما مفاده: "رغم صداقتي للإنكليز، تراهم يغزلون ويغزلون، ويدسون لي الدسائس، أقاموا دويلات حولي".
على الرغم من أن هذا الكلام يدركه جهّال القوم قبل فقهائه، ولا نريد أن نخوض في دلالاته، ولكن ما أشبه اليوم بالبارحة، إذ مضى على قول الملك عبد العزيز أكثر من ثمانية عقود والحال نفسه لم يتغير، فسيد الموقف هو غياب الرؤية والمشروع الصارم في وجه التهديدات.
إننا أمام مشكلة حقيقية، وإن تغيّرت موازين القوى لصالح قطب واحد، فنحن لا نجيد اللعب مع مجتمعٍ أوراقه غامضة، في حين أن أوراقنا مكشوفة له.
إذا أردنا أن نبني وطناً، علينا أن ندرك أنّ التغيير والديموقراطية مطلبان وطنيان، قبل أن يكونا واقعاً مفروضاً؛ لأنهما يعكسان الطموح من أجل حياة أفضل لتحقّق الشعوب بها إنسانيتها وكرامتها.
وهذان الاستحقاقان يحتاجان قادة مؤمنين بالحوار مع الآخر، مبتعدين عن الاستفراد بالسلطة، فطريق بناء الوطن يبدأ بعد توفر المناخ المناسب من زعامات السلطة؛ لأنها المسؤولة عما يحدث بتشخيص جميع الأخطاء والاستفادة منها لتجنب ارتكاب مزيد في المستقبل، وترجمة الولاء للوطن وليس للفرد أو الطائفة، يكون عبر برامج تنفيذية تشمل جميع مرافق الدولة.

شكرا لمتابعتكم " الوطن قبل كل شيء " على موقع " ريحان نيوز "، ونتمني متابعتنا على قنواتنا الرسمية خلال وسائل التواصل الاجتماعي لمتابعة الاحداث واخر المستجدات ، مع اطيب التحيات .

المصدر : العربى الجديد